ابن الجوزي

398

صيد الخاطر

اجتماع العوام تقصدون المغالبة ؟ أو ما سمعتم : من طلب العلم ليباهي به العلماء ، أو ليماري به السفهاء ، أو ليصرف به وجوه الناس اليه ، لم يرح رائحة الجنة ؟ ثم يقدم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها ، وقد كان السلف يتدافعونها . ويا معشر المتزهدين انه يعلم السر وأخفى أتظهرون الفقر في لباسكم وأنتم تستوفون شهوات النفوس ؟ وتظهرون التخاشع والبكاء في الجلوات دون الخلوات ؟ كان ابن سيرين يضحك ويقهقه فإذا خلا بكى أكثر الليل . وقال سفيان لصاحبه : ما أوقحك تصلي والناس يرونك . أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب آه للمرائي من يوم « وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ » وهي النيات . فأفيقوا من سكركم ، وتوبوا من زللكم ، واستقيموا على الجادة « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ » . 360 - أكثر الناس حائدون عن الشريعة وكذلك العلماء والزهاد رأيت جمهور الناس حائدين عن الشريعة جارين على ما ألفوا من العادة . وقد يخلص منهم فريقان علماء وعبّاد فتأملت جمهور العلماء فرأيتهم في تخليط : منهم من يقتصر على معاملات الدنيا ويعرض عن معاملات الآخرة ، إما لجهله بها ، أو لثقل أمرها عليه ، فهو يجري على ما يثقل عليه مما يوجبه العلم ، ويتبع في الباقي العادات وربما تخايل أنه يسامح في الخطايا لكونه عالما ، وقد نسي أن العلم حجة عليه . ومنهم من هو واقف مع صورة العلم ، غافل عن المقصود بالعلم . وفيهم من يخالط السلطان ؟ فيتأذى المخالط بما يرى من الذنوب والظلم ولا يمكنه الانكار ، وربما مدح . ويتأذى السلطان فيقول : لولا اني على صواب ما جالسني هذا . ويتأذى العوام فيقولون : لولا أن أمر السلطان قريب ما خالطه هذا العالم « 1 » ورأيت الأشراف يثقون بشفاعة آبائهم وينسون أن اليهود من بني إسرائيل .

--> ( 1 ) مرت هذه المعاني كلها من قبل .